ابن العربي

700

أحكام القرآن

المسألة السادسة - اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية ، وهو جهل ؛ لأن هذه الآية قد صرّحت بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع المساءة في جوابه ، ولا مساءة في جواب نوازل الوقت ، وقد كان من سلف من السلف الصالح يكرهها أيضا ، ويقول فيما يسأل عنه من ذلك : دعوه دعوه حتى يقع ، يريد : فإن اللّه سبحانه وتعالى حينئذ يعين على جوابه ، ويفتح إلى الصواب ما استبهم من بابه ؛ وتعاطيه قبل ذلك غلوّ في القصد ، وسرف من المجتهد ؛ وقد وقف أعرابي على ربيعة الرأي وهو يفرّع المسائل ، فقال : ما العىّ عندنا إلا ما هذا فيه منذ اليوم . وإنما ينبغي أن يعتنى ببسط الأدلة ، وإيضاح سبل النظر ، وتحصيل مقدمات الاجتهاد ، وإعداد الآلة « 1 » المعينة على الاستمداد ؛ فإذا عرضت النازلة أتيت من بابها ، ونشدت في مظانّها ، واللّه يفتح في صوابها . المسألة السابعة - وهم بعض المفسرين في هذه الآية في ثلاثة فصول : الأول - قال : إن قوله : لا تَسْئَلُوا . . . إلى قوله : تَسُؤْكُمْ سؤال عما لا يعنى « 2 » ، وليس كذلك ؛ بل هو سؤال عما يضرّ ويسوء ، ففرق بين أن يكون النهى عن شيء يضر . وبين أن يكون عما لا يعنى . وهذا بيّن . الثاني - قال : قوله : وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ، يعنى وإن تسألوا عن غيرها ؛ لأنه نهاهم فكيف ينهاهم ويقول : إنه يبين لهم إن سألوه عنها . وهذا استبعاد محض عار عن البرهان ؛ وأىّ فرق أو أي استحالة في أن يقال : لا تسأل ، فإنك إن سألت يبيّن لك ما يسوءك ، فالسكوت عنه أولى بك ، وإن اللّه تعالى قد عفا عنها لك . الثالث - قوله : قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ : قال : فهذا السؤال لغير الشيء ، والأول والثاني هو سؤال عن غير الشيء ، وهذا كلام فاتر ، مع أنه قد تقدم ضده حين قال : إن السؤال الثاني هو سؤال عن الشيء ، وفيما قدمناه بلاغ في الآية ، واللّه عز وجل أعلم ، وبه التوفيق .

--> ( 1 ) في ل : الأدلة . ( 2 ) في ل : عما لا يغنى .